خاطرة عن : فقدان الحبيب
لاشك بأن ألم الفقدان هو اشد الألم الذي يشعر بها الانسان، فهو كأن تكون عاجزاً، كبلدة فقدت أهلها، كشجرة فقدت اغصانها، كعنقود عنب ينتظر تفكك حُبيباته، ينمي بداخلك صراعات، ومن ثم تنتهي كتاريخ راقصةٍ هزها مسرحُ الأبد، وهكذا قلبي.
في ذلك اليوم الذي رأيتك فيه كنت جالساً امامي في تلك الحديقة الموجودة في داخل مدينتنا، كنت تستمع للموسيقى وتعزف على العود بشكل جميل، لم اكن أتوقع ان الحان عودك ستصبح موسيقى قلبي يوما ما، حتى جاء ذلك اليوم المشمس الجميل، الذي كان يصادف يوم ميلادي، احتفل الأصدقاء بيوم ميلادي بتلك الحديقة، بينما كان أصدقائي يحتفلون بي، جئت وعزفت لي مقطوعة عيد الميلاد، وبعد انتهائك من عزف تلك المقطوعة دعوتك لتشاركنا الحفل واصبحنا أصدقاء لمدة سنة كاملة أصدقاء مقربين جداً، حتى تجرئت يوما واخبرتني انك تكن لي مشاعر المحبة ، واخبرتني بإعجابك الشديد في عاديتي التي لم يلاحظها احد سواك، وانك تريد ان نبقى معاً وهتفت قائلا بانك تحبني، رددت عليك بانني كذلك ابادلك تلك المشاعر، لقد كنت كتؤام روحي لا تفارقني حتى في احلامي، وانت كنت تخبرني باني كذلك ايضاً، واصبحنا لا نفترق، يحسدنا كل من رآنا، وبقينا على هذا الحال اربع سنوات، حتى بدأت النزاعات والخلافات، تؤثر علينا، ولكن كنا دوما نجتازها سوياً.
لقد كنا دوما ننجح في تجاوز تلك العقبات، حتى جاء ذلك اليوم الذي قررت فيه الذهاب، وهجران قلبي الذي لم يريد يومأ هجرك، لكنك رحلت من غير سابق انذار، من غير سبباً واحد يوضح لي سبب ذهابك، سببٌ يطفئ ذلك الألم الذي سببته لي، في ليلة غيابك نمت بجانب نفسي مواسية لروحي قائلة لها بانك سوف تعود، فانت لا تقوى على هذا الغياب، انتظرتك كثيراً ولكنك لم تعد، فأمسيت مثل مذياع قديم، لم تعد تمرني الاحاديث الصافية، كثيرة التشويش، كثيراً ما اشرد مني، تختفي أصوات الجالسين أمامي شيئاً فشيء حتى تنقطع، يلوحون لي، يهتفون باسمي حتى انتبه، وكأنني لم أعد تلك الفتاة التي يعرفونها، فأنا أصبحت غريبة الحال، غريبة اللفظ، غريبة الخلق، مستأنسة بالوحشة، معتادة على الصمت، متحملة الأذى، يائسة من جميع ما ترى.
وبقيت على حالي هذا العديد من الأيام والاشهر، ولكن مع مرور كل يوم كنت افقد دهشتي بك، تنطفئ رغبتي فيك، لطالما تمنيت ان تدوم طويلاً، للأبد تبقى لا مُحال لذهابك، حاولت دائماً طوال ايامي معك ألا تصبح عابراً في حياتي، مثلك مثل شخص لم يتعمق بي، لم يلمسني من الداخل، لكنك لم تأبه لمحاولاتي قط، وكنت يوما بعد يوم انسى كم كانت عاديتي تدهشك، كم كنت مميزة بالنسبة لك، فقد لا أكون كما تصورتني يوما في مخيلتك، لكن على الأقل كنت حقيقية، لم آتي لك بصورة لست عليها، كنت سخية ولكن بالقدر نفسه كنت امتلك القسوة التي استطاعت في النهاية ان تنتشلك من داخلي بشكل مشوه كما شوهت روحا لم تكن لتأذيك يوما ولا حتى لبضع دقائق ، لم اكن لاختار من انا وكيف سأكون ،فانا مجرد انا ،بكل هذه العادية التي رأيتها، فهذا ما اردتك ان تراه، فانا اخفيت عنك تعقيدي لنفسي، تركته يؤلمني لوحدي، وكنت أريد ان لا اصيبك به، لكنك لم تأبه بكل ذلك.
فعندما ولدت ولِدتُ بقلبٍ مثقوب فقال الطبيب لأمي : سينغلق من تلقاء نفسه عند البلوغ وها أنا الآن على مشارف العشرين، وكل الذين أحببتُهم هربوا عبر ثقب قلبي! ولكن هذه مجرد حياة، لا شيء يمر في حياة الانسان عبثاً، حتى اصغر العثرات كانت لأجل شيئا ما، لا تستطيع مواساة إنسان فقد شخص كان بالنسبة له الحياة، ولكن أومن أن هناك أحزان يجب أن تعاش حتى النهاية.